09/09/2010 - 10:09:12 م

اسحق بابل خارج حدود المستوطنة.. تفاصيل متأخرة عن محنة غامضة

اسحق بابل خارج حدود المستوطنة.. تفاصيل متأخرة عن محنة غامضة

جيمس كامبل ترجمة: نجاح الجبيلي

-
في مايس 1939 جري القبض علي أسحق بابل من قبل الـ ن. ك. ف. د (سلف الكي جي بي) في بيته الريفي خارج موسكو. وبعد ثمانية أشهر اعترف أنه كان جاسوساً لفرنسا بتوجيه من الروائي والسياسي أندريه مالرو، وبعد أن تورّط آخرين في هذه التجسس الذي لا أساس له أعدم رمياً بالرصاص. ظلت تفاصيل محنة بابل غامضة حتي التسعينيات حين استغل الكاتب الروسي فيتالي شنتالنسكي فرصة الانفتاح الجديد في الاتحاد السوفيتي السابقً ليكتب أرشيف الكي جي بي الأدبي إذ أن كافكا لم يدخل التحسينات علي الوثائق طبق الأصل للتحقيقات مع بابل:
û لقد قبض عليك بسبب نشاطاتك الخيانية ضد السوفيت هل تعترف بذنبك؟
ج: كلا لا اعترف
û كيف توفق بين إعلانك البراءة مع حقيقة القبض عليك؟
نشرت مؤلفات بابل بصورة متفرقة بالإنكليزية أثناء حياته ولفتت الأنظار بشكل واسع حين ظهرت (القصص المجموعة ) له عام 1955 مع مقدمة رائعة للناقد "ليونيل تريلينغ". إن المغزي العام لكل القصص وأشهرها ما تضمنته مجموعته القصصية " الفرسان الحمر" تنبأ بمصير بابل، فهي تمزج الوحشية التي لا يمكن التعبير عنها بالسخرية واللامبالاة بالفكاهة. مدقق البطاقات في قطار يطلق النار علي مدرَس يهودي متزوج حديثاً دونما سبب واضح ثم يضع الأعضاء الجنسية للمقتول في فم عروسه مع غمزة لرفيق له قائلاً " محاولة أكل شيء مباح (في الشريعة اليهودية ).

قاطع طريق
إن مؤلف الكتاب " جيروم جاريان" تأسره تجربة (بابل) كجندي وعميل سرّي ويهودي وسط مذبحة ورجل "خارج حدود المستوطنة" بالمعني الحرفي والمجازي للكلمة. في شخصية "بنيا كريك" - وهو قاطع طريق يعرف بـ(الملك) يعيش في حي " مولدافاتكا" اليهودي في أوديسا يستطيع أن يشن هجوماً بالنار علي مركز الشرطة بينما تخطط السلطات للقبض عليه ويميّز " جاريان" شخوصاً من " إيست برونكس ، مولدافاتكاي" (منطقة المؤلف ).
يقول إني أحمل القصص القصيرة لبابل في رأسي أينما ذهبت. " قصة بابل " خمس دقائق" ،كما أشار المؤلف إلي شكل القصة القصيرة (بالمقابلة مع قصة" 24 ساعة" لتولستوي) هي بالنسبة إلي "جاريان" تدور حول " خلق براكين في كل جملة أو في حروف العطف في الصفحة التي لها علاقة بموسيقي الجاز أكثر مما لها علاقة بكاتب آخر".
إن كتاب " الاختزال الضاري" ليس نقداً أدبياً ولا سيرة ذاتية ، علي الرغم من احتوائه علي عناصر من كليهما ، بل هو تأمل في حياة بابل وحبه وعمله وموته، ومعظمه مكتوب بصيغة الحاضر وهو متبل بالتعابير العامية التي تعزف علي نغمة مفرطة في الألفة ". كتب جارين عن زوجة بابل الأولي:"تستمر (زينيا) في حبه علي الرغم من جميلاته الشقراوات في موسكو". " ولم يكن "أليتش" مسروراًً بقصة "حياة جديدة" لغوركي ".يشير "جارين" إلي لينين بـ"إليتش" وإلي ستالين بالرئيس. يحتوي الكتاب أيضاً علي وصف للقاءات " جارين" مع ابنة بابل التي سميت فيما بعد " نتالي بابل براون" والتي كتبت مقالتين عن والدها (التي عرفته فقط حين كانت طفلة في باريس) لكنها لم تتح لنا إلا القليل من المادة الجديدة. ويستفيد جارين قليلا من البحث المجهد لـ" شنتالسكي" في أيام بابل الأخيرة ، لكنه سريع التعامل مع التوكيدات غير الجوهرية ، فمثلاً لم يبرهن أن ستالين قد جري "تسميمه" كما يخبرنا هنا - وكأنه ينازع بابل نفسه حين يقول أنه ألف قصة " جي دي موباسان" بين عامي 1920 - 1922 لكني أقسم بأنه لم يكن من الممكن له كتاباتها أو مراجعتها بصورة كبيرة ، حتي بعد رحلته الأولي إلي فرنسا.
وبغض النظر عن النحو الملتبس اعتقد أن "جارين" يعني بأن القصة قد تكون كتبت مبكراً ونقحت فيما بعد - و القارئ مؤهل لأكثر من اقتراحات مرتجلة.

القنديل الأخضر
يقرأ كتاب جارين كملاحظات لمقالة مسهبة عن حياة بابل. ثمة إشارات واعدة باتجاه السرد الذي سوف يجمع بين حياة المؤلف والموضوع لكنه يؤدي إلي طرق مسدودة. كتب "لهذا فأنا في رحلة حج ثانية" وقد اكتشف أن بابل قد جاء بحاملين عاجيين للسجاير إلي زوجته المنفية في فرنسا، إلي أرض موباسان باحثاً عن أول عنوان لبابل في باريس". حين وصل إلي "نوع من المتاهة علي مشارف باريس" فلكي يكتشف أن موقع فيلا بابل مشمولة بالتوسعات السكنية " كنت مكرهاً علي الانسحاب".
إن جارين مؤلف أكثر من ثلاثين كتاباً بضمنها (القنديل الأخضر) وهي رواية إثارة تقع أحداثها في روسيا، ودراسة عن همنغواي وضعت علي شكل سيرة بعنوان:" هنمنغواي: صورة الفنان.... " ومقارنته لراوي بابل- المصعوق بسبب العنف الذي شاهده- مع "نك آدم" بطل قصة همنغواي هي مقارنة ملائمة ذكية. " كلاهما.. يتجولان في المشهد الطبيعي مثل رجلين يتعاطيان المخدرات" البعض سيتفق مع توكيدات " جارين" بأن كتاب " الفرسان الحمر" هو " اللغز الأكبر الذي عجزت وسائلنا عن تأويله".
لكن تبرز مشكلة مع هكذا دراسة، وهي أن المؤلف مقيّد في مناقشة النصوص المترجمة لا الأصلية. مثلاً في قصة " جي دي موباسان" يذهب السارد إلي بيت امرأة غنية ضجرة كي يساعدها في ترجمة موباسان وتأذن له بالدخول خادمة يجذبه مظهرها ويقتبس جاريان العبارة كما يلي: في عينيها الرماديتين يري المرء شهوة صاعقة" وفي الطبعة الحالية لدار نشر بنغوين لـ " القصص المجموعة " لبابل التي ترجمها " ديفيد مكدف" ما يفهمه هو " الشهوة القاسية". كلتا العبارتين واضحتا التشابه لكنهما متميزتان في الوقت نفسه. وكما كتب بابل في القصة نفسها:" تولد العبارة في عالم من الخير والشر في الوقت نفسه. ويكمن السر في التواء من الصعب إدراكه " أو كما يفضل جاريان ترجمتها "انحراف غير مرئي تقريباً ".


هامش المترجم
أسحق بابل: ولد في "أوديسا" عام 1894 ونجا من مذبحة عام 1905 بمساعدة جيرانه المسيحيين الذي أخفوا عائلته. وقد تعرقل تعليمه بسبب إجحاف الإمبراطورية الروسية بحق الطلاب اليهود. انتقل في عام 1915 إلي بتروغراد خارج " حدود المستوطنة" ، حيث التقي بمكسيم غوركي الذي نشر بعضاً من قصصه الأولي في مجلته الأدبية " التاريخ الأدبي" أيد الثورة الروسية عام 1917 ، كافح بابل في الحرب الأهلية وعمل مترجماً مع "تشيكا" (البوليس السري).وخدم صحفياً مع "جيش الخيالة الأول" وأوصافه لقسوة الحرب خلقت له بعض الأعداء الأقوياء لكن تدخل غوركي ساعد في حفظ كتابه " الفرسان الحمر" من النسيان.
حل بابل عام 1930 إلي أوكرانيا وشاهد القسوة في المزارع الجماعية الستالينية وسرعان ما تعرض لهجوم كونه من جماعة الفن للفن. وفي عام 1939 وبعد 3 سنوات من موت غوركي المشكوك به (كل من غوركي وابنه مكسيم بشكوف ربما جري تسميمهما من قبل اتباع ستالين لكن الاتهام لم يدعمه دليل قوي) قبض علي بابل وأجبر علي الاعتراف بأنه جاسوس. واعدم عام 1940 وصودر أرشيفه وتعرض للتلف والفقدان.
-----------------------
عن مجلة تايم





تصويت
الطريق لأعادة الأعتبار للكتاب العراقي؟
تبني طبعه من وزارة الثقافة
دعم الناشرين في القطاع الخاص
احياء دور الخبير في تحديد صلاحية النشر
دعم المؤلفين من قبل الحكومة ومؤسساتها
المشكلة عربية ودولية بسبب هيمنة وسائل الأعلام



Send email